|
المعرفة ما بعد المنطقية. جون هنري نيومان: الإيمان
والبراهين الباطنة
في سبيل عقلانية منفتحة (9)
بقلم روبير شعيب
روما، الخميس 28 مايو 2009 (Zenit.org).
– بعد أن تحدثنا عن
الإيمان
والاستعداد المسبق ننتقل الآن إلى الحديث عن "الإيمان
والبراهين الباطنة".
ثانيًا: الإيمان والبراهين الباطنة
نجدنا الآن عند منعطف طرق آخر في فكر نيومان، حيث يعرض التوتر
القطبي بين البراهين الباطنة والبراهين الظاهرة. ويبين لنا أن
الإنسان يدرك باطنيًا أكثر بكثير من قدرته على التعبير
الكلامي.
من يؤمن يملك براهينه الكافية للإيمان، ولكن هذه البراهين لا
يمكن التعبير عنها دومًا: "الإيمان لا يستطيع أن يقوم دون
براهين أو دون موضوع؛ ولكن هذا لا يعني أن جميع الذين يؤمنون
يجب عليهم أن يتعرفوا وأن يكونوا قادرين على عرض ما يؤمنوا به
ودوافع هذا الإيمان". فدوافع الإيمان الحقة لا يمكن الكلام
عنها وإيضاحها بسهولة. واللاهوت مدعو هنا إلى التواضع لأنه
بصدد موجة لا يمكننا أن نلتقط ذبذباتها بسهولة وأن نتحدث عنها
ببلاغة لا تخلو من الكبرياء. البراهين ليست فقط ظاهرة ونظرية،
بل أيضًا باطنة، وتتعلق أكثر بـ "من أنا" (الكيان) منه بـ "ما
أفكر" (الفكر). يتحدث نيومان عن "احتماليات سابقة" (antecedent
probabilities)، وهي عبارة عن حالات نفسية ومواقف وجودية تؤثر
على نوعية إيماني. يدور في باطن الشخص نوع من "تفكير ضمني" (tacit
reasoning) يسبق التفكير التحليلي.
يصف نيومان تصرف العقل الغرائزي في التفكير مقدمًا مثل متسلق
الجبال بأسلوب فينومينولوجي (ظواهري) بديع:
"يتنقل من مَيل إلى آخر، يتمدد ويتقدم بسرعة يُضرب بها المثل،
ببراعة وخفة لا يستطيع تقصيها أي بحث. ينتقل من نقطة إلى أخرى،
ويجد إشارة هنا؛ ويتقدم هناك مرتكزًا على احتمال؛ ومن ثم يعتمد
على تخاطر ما؛ ثم يرتكز على قانون متعارف عليه؛ ليعود فيرتكز
على شهادة ما؛ ويثق بحدس شعبي، بغريزة داخلية، أو بذكرى بعيدة؛
وبهذا الشكل يتقدم بشكل لا يختلف عن متسلق يرتقي قمة شاهقة
ووعرة، بعين نبيهة، ويد مستعدة وقدم ثابتة، يتسلق بطريقة
يجهلها هو بالذات، معتمدًا على معارف شخصية وعلى خبرة ماضية،
أكثر من اعتماده على قواعد، ودون أن يترك وراءه أثرًا، ودون أن
يستطيع أن يعلم الآخرين. لا نبالغ إذا قلنا أن الخطوات التي
يرتقي من خلالها العباقرة العظام إلى قمم الحقيقة، هي بالنسبة
للناس عامة خطوات غير أكيدة ومتقلقلة، تمامًا مثل تسلق خبير
لصخرة وعرة..."
من خلال هذه العبارة الأخيرة، يبين لنا نيومان أن الإيمان هو
فعل شجاعة، تمامًا مثل الرجاء الذي هو بنهاية المطاف ثقة بمنطق
أرفع وأدقّ من المنطق العادي، بمنطق يتخطى المنطق، ثقة بذلك
الحب الذي يستبق الحدس والحس، ويوجهه ويتخطاه.
حياة الإيمان هي فنّ، ونيومان يسعى إلى تأسيس فينومينولوجية
حدسية منفتحة لكي يضع أسس إيمان عقلاني (reasonable) يتجاوز
العقلية (rationalism).
العقل الباطن هو عمليًا نوع من الغريزة التي تسمح للإنسان أن
يتقدم في سبل الفهم المسبق والافتراض المسبق. وهذا النوع من
العقلانية ليس أمرًا فريدًا يختلف عن سائر البراهين
غير-المنطقية وغير-التجريبية. فمعتقداتنا اليومية العادية، مثل
"غدًا ستشرق الشمس" أو "الصيف حار" أو "امرأتي تحبني"، لا
تعتمد على "برهان" يستخلص أو يستنتج، ومع ذلك، لا نعتبر هذه
الخلاصات لاعقلانية وخالية من المعنى، بالرغم من أن فلسفة عصر
التنوير تعتبر كل هذه الاعتبارات لاعقلانية" (I. Ker, The
achievement of John Henry Newman, Notre Dame 1990, 46-47).
يريد نيومان أن يبين أن هناك عدة أشكال من التحليل والبرهان،
وما يظهر أحيانًا كـ "لا-عقلي" ليس بالضرورة "لا-عقلاني"، لأن
"العقلاني" يتجاوز بكثير ما توحي به كلمة "عقل".
يقول نيومان: "يبدو الإيمان وكأنه نقيض العقل، ولكنه ليس كذلك؛
هو فقط مستقل ومتمايز عما يمكننا تسميته التقصي الفلسفي،
والأنظمة النظرية، وتسلسل البراهين، وما شابه ذلك". ويستخلص
القول: "إن انتصارات العبقرية الكبرى والجديرة بالذكر [...]
تمت من خلال استعمال أسلحة خفية، أي من خلال فكر غامض ومعقد
اضطرت العامة أن تقبله على ثقة، إلى أن برهنت الأحداث والوقائع
عنه".
هذا ويقدم نيومان تشبيهًا آخر ليوضح فكرته، فيلفت الفكر إلى
القائد العسكري الميداني الذي بواسطة "حنكة فائقة الطبيعة"
يفطن مؤهلات حلفائه وأعدائه، وتحركاتهم، ومخططاتهم ويعرف كيف
يجب أن يتصرف؛ ولكن إذا ما طُلب إليه أن يكتب بشكل واضح ومنقح
الخلاصات التي يتوصل إليها لعجز عن ذلك، ولتمّ اعتبار حنكته
كمرادف للاعقلية واللامنطقية. ويستخلص نيومان: "بشكل مماثل،
الإيمان هو عمل عقلي يمكننا أن نرى فيه الكثير من ظواهر
الاستدلال والاستنتاج التي لا يمكن البرهان عنها، وهي موجودة
في طبع العقل بالذات، في نظرته العامة إلى الأمور، في ترجيحه
للإمكانيات وللمستحيلات، في انطباعاته حول إرادة الله وفي
استباقاته النابعة من الرغبات الباطنة، التي يمكن أن تبدو
للعالم وكأنها لاعقلانية ودنيئة".
كجواب على سؤال المذهب العقلي الحديث: "إذا ما خرجنا من
العقلية، ألا نضحي غير قادرين على التواصل؟" يبدو وكأن نيومان
يجيب بواقعية شخصانية: إذا لم نخرج من العقلية المحدودة لن
نتمكن من الانفتاح على ألوان العقلانية العديدة، ولن ندرك غنى
الحواس البشرية، ونقع بالتالي في فخ ألا نتحدث عن الإنسان، بل
عن عقلية مجردة لا تمت إلى الإنسان بصلة. ليس المنطقية هي من
تستحق الإيمان بل مسيرة الإنسان.
يعلمنا نيومان أنه من المستحيل أن نبرهن بطريقة حسابية عن وجود
وحضور البعد الفائق الطبيعة لأن الإيمان هو هبة مجانية، وما من
برهان يستطيع أن يستخلصه بالكلية. فلو كان الإيمان نتيجة جدل
نظري، لبات ثمرة طبيعية لجهد بشري ولم يعد هبة مجانية من الله.
هناك حاسة في الإنسان هي حساسة على الإيمان أكثر من العقل، وهي
المخيلة، وفي المقالة التالية سنستعرض ماهيتها في فكر نيومان.
|