المعرفة ما بعد المنطقية. جون هنري نيومان: الإيمان
والاستعداد المسبق
في سبيل عقلانية منفتحة (8)
بقلم روبير شعيب
روما، الاثنين 25 مايو 2009 (Zenit.org).
– بعد أن تطرقنا بشكل مقتضب إلى وجهة نظر باسكال حول موضوع
علاقة العقل بالإيمان، وحول ضرورة انفتاح العقل على أبعاد أخرى
في الكائن البشري، ننتقل الآن إلى استعراض الإسهام المبدع الذي
يقدمه جون هنري نيومان، المفكر والفيلسوف والمؤمن الإنكليزي
الذي ارتد من الأنغليكانية إلى الكاثوليكية، والذي كان من أبرز
المناهضين لما عرف بدائرة أكاديمي أكسفورد في القرن التاسع
عشر، وهي دائرة اشتهرت بفلسفتها البرغماتية ومذهبها العقلي
المتطرف.
نيومان: الاستعداد المسبق، البراهين الباطنة والمخيلة
أولاً: الإيمان والاستعداد المسبق
في قصيدة تحمل عنوان "الدهر الآتي" (The age to come)، كتبها
في 9 يونيو 1833 في بالرمو في جزيرة صقلية، يتحدث نيومان عن
الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان بالنسبة للحقيقة:
عندما أبحث عن الحقائق التي تتقد في باطني
وأسعى إلى صياغتها مبادئ وبراهين،
يصرخ آلاف المفكرين، - "أنى لك أن تتعلم
أن هذه الأحلام قد تبددت الآن، وأن تلك النيران قد
خمدت؟"
هذه السطور الأولى من القصيدة تعبر عن الحرب الداخلية التي
يعيشها الإنسان، عن حقيقة تتقد في قلب الإنسان، ولكن هذا
القلب، في الوقت عينه، يتضمن أصوات التشتت التي تزعم بكبرياء:
"هذه النيران قد خمدت". ويضيف نيومان بخيبة في ما بعد في
القصيدة: "إنها القصة القديمة – الحقيقة مشردة لا منزل لها" ('Tis
the old history—Truth without a home)، ولكن في ما بعد يصرح
برجاء بأن هذه الحقيقة ستنهض من القبر وأنها ستنال بيتًا:
"تُحتقر وتذبح، ثم تنهض من القبر" (Despised and slain,
then rising from the tomb).
للشخص البشري استعدادات تستطيع إما أن تعرقل أو أن تفتح
استعداداته الإيمانية. ليست البراهين الظاهرة هي التي تسمح
للإنسان أن يؤمن أو ألا يؤمن. "العقل، في موضوع الإيمان، ليس
خصبًا ما لم يتم توجيهه جيدًا، وهذا الأمر يتطلب من الأشخاص أن
يصغوا لضميرهم وأن يتمتعوا بحس السر والرهبة" (M.P. Gallagher,
“Newman: Sulla disposizione per la fede”, in La Civiltà
Cattolica 1 (2001), 453). كبرياء العقل يعتم عيون القلب
ويعرقل الاستعداد المسبق لقبول الإنجيل.
يربط نيومان حقيقة الإيمان الموضوعية بالحس وبالمعطيات
الشخصانية والذاتية التي تجعل الإيمان ممكنًا أو غير ممكن في
حياة كل شخص. ويشدد أنه علينا أن نعطي حق الانتباه للديناميات
الحيوية في العقل والقلب في سعيهما إلى عبور عتبة الإيمان.
فإذا ما سيطر العقل على الحقيقة، تعرضت الوقائع التي تتخطى
المنطق في وجودنا البشري إلى خطر النسيان والكبت. "لا يتم
الوصول إلى القلب من خلال العقل بل من خلال المخيلة. نحن نخضع
لتأثير الأشخاص، الأصوات، الملامح، البراهين البشرية. فالإنسان
ليس حيوانًا محللاً؛ بل حيوانًا يرى، ويشعر، ويتأمل ويفعل".
إن تعريف بويتسيوس للشخص: "الشخص هو جوهر فردي طبيعي وعقلي" (Boezio,
De duabus naturis et una persona Christi, c. 3 ; PL 64,
1345) ليس كافيًا، فنحن لسنا طبيعة عاقلة وحسب، بل طبيعة
شاعرة، ومتخيلة واجتماعية... ويجب أن نعتبر مجمل هذه الأمور
عندما نسعى لفهم استعداد الإنسان المسبق للإيمان. وغالب
الأحيان، إذا ما أردنا أن ندرك البعد "الشخصاني" للأمور، يتوجب
علينا أن نقوم بما يسميه الفيلسوف الدانمركي سورين كيركيغارد
"أضحية العقل"، لأنه إذا ما تحجرنا في العقل وحده، لا نعمل أو
نختبر شيئًا، وإذا لم نعمل ونختبر لا نستطيع أن نفهم ما لا
يُفهم إلا في الحياة والعمل!
يستعيد نيومان الرباط العظيم بين العقل والحس الخلقي (moral
feeling) الذي تناساه وأهمله التيار العقلي. من المرجح أن تكون
قد أثرت في نيومان خبرة الجدل مع أخيه الأصغر الذي كان قد أعلن
إلحاده، وأراد جون هنري أن يرده إلى الإيمان، وبعد جدال حاد
وطويل وعقيم كتب نيومان إلى أخيه: "لست في حالة عقلية تؤهلك أن
تصغي إلى أي برهان كان [...] فالبرهان الداخلي يعتمد بشكل كبير
على الحس الخلقي. ورفض الإيمان يأتي من مشكلة في القلب لا في
العقل".
هناك عادات سابقة (previous habits) تؤثر في نظرتنا إلى
الحقائق الدينية والأخلاقية. يتأثر الإيمان بالمفاهيم المسبقة،
وبالاستعدادات المسبقة وبالأحكام المسبقة، ولهذا فالعلامات
الخارجية تضحي أقل أهمية من براهين وعلامات القلب. مع
الاستعدادات المناسبة يضحي الإيمان أسهل، بمعزل عن هذه
الاستعدادات يضحي صعبًا وشبه مستحيل. فالبراهين الفضلى تكمن في
داخلنا، والسبل الخمس التومائية العقلية لإدراك وجود الله
تقنعنا بقدر ما نكون مقتنعين بشكل مسبق من خلال مفاهيمنا
وأحكامنا السابقة. وكل ذلك لأن نوعية الإصغاء هي ذات أهمية
قصوى، فمن كانت عنده أحكام مسبقة ينظر دون أن يرى، ويسمع دون
أن يدرك.
يسعى نيومان بالتالي إلى إقامة عقلانية مغايرة. عقلانية مختلفة
تتضمن الشخص البشري بكليته. بحثًا عن براهين الإيمان تتضمن
التاريخ الشخصي لأن هذا الأخير هو من ضمن العوامل التي تؤهل
الإنسان للإيمان أو إلى عدم الإيمان.
"البراهين الحقة" (real reasons) بحسب نيومان هي الشخص بكليته،
بنوعية عيشه، بأفعاله. وركيزة الإيمان تكمن في نوعية حضورنا مع
ذواتنا ومع الآخرين. فعندما يكون القلب حيًا عندها يستطيع أن
ينفتح على الإيمان.
بالحديث عن "الاستعدادات السابقة"، يسلط نيومان الضوء على
أهمية "مستوى البحث" والنقطة التي يختارها المرء لينظر إلى
لوحة حياته ووجوده. فإذا لم أنظر إلى حياتي ووجودي من الزاوية
المناسبة، عبثًا أحاول التوصل إلى رؤية إيمانية واضحة. فمشاكل
الإيمان هي في أغلب الأحيان إنغلاق قلبي لا عقلي، وبالتالي
هناك حاجة إلى استعدادات وأحكام صائبة، لأن "الجهوزية هي كل
شيء" ((“the readiness is all” Cf. Shakespeare, Hamlet, act
5, scene 2).
من الأهمية بمكان أن نلحظ أن مسألة الاستعداد السابق ليست
جديدة عند نيومان، وليست من ابتكاره، بل من المرجح أن يكون قد
استوحاها وثبتها انطلاقًا من آباء الكنيسة الشرقيين الذين
كانوا يولون أهمية خاصة لـ "حالة" القلب ولانتباهه المستمر لما
يعرف بـ " katastasis " (T. Špidlík, La spiritualità
dell’Oriente cristiano. Manuale sistematico, Cinisello
Balsamo 1995, 320)
|