|
المعرفة ما بعد المنطقية. بليز باسكال: الشعور وبراهين
القلب
في سبيل عقلانية منفتحة (7)
بقلم روبير شعيب
روما، الخميس 21 مايو 2009 (Zenit.org).
– "هذا هو سري. إنه بسيط جدًا: وحده القلب يجيد النظر. فالأمور
الجوهرية تخفى على العيون" (أنطوان دو سانت أكزوربري، الأمير
الصغير).
بعد أن اعتبرنا أبعاد الحقيقة في المفهوم المسيحي لا يصعب
علينا أن ندرك أن العقل الحسابي وحده لا يكفي. يكفي أن نفكر
بواقع الحب البشري لندرك أن عقلنا وحده ليس كافيًا لكي ندرك
هذا الواقع الملموس الذي نعيشه: واقع الحب؛ بين الأم وابنها،
بين الرجل والمرأة، بين الأصدقاء، نحو الطبيعة، نحو الفن...
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يستطيع الإنسان أن يتوصل إلى
معرفة كافية للوقائع التي تتجاوز طبيعيًا قدرات العقل وحده؟
كيف يمكننا أن نتخطى العقلية لندرك العقلانية دون أن نضحي لا
عقلانيين؟
الجواب يأتينا من مفكرين هامين حاولا على مدى حياتهما أن يجدا
جوابًا على هذا السؤال: الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال (Blaise
Pascal)، وجون هنري نيومان (John Henry Newman)، الإنكليزي
المرتد عن الطائفة الأنغليكانية إلى الكاثوليكية.
باسكال: الشعور (sentiment) وبراهين القلب (raisons du cœur)
لقد كان الرياضي والمفكر بليز باسكال نبويًا في اكتشافه أن
الطريقة الرياضية التي أضحت مشهورة بفضل ديكارت لا يتنطبق على
أطر الخبرة الشخصية، على الماورائيات وعلى الإيمان، لأن هذه
الوقائع تعنى بأمور تتجاوز إدراك العقل. واكتشف باسكال أن هناك
"حواس" أخرى للوصول إلى معرفة وافية في هذه الحقول.
حقيقة الإيمان يدركها الإنسان عبر القلب، لأنها حقائق يدرك
منطق وبرهان القلب، وللقلب براهين لا يدركها العقل، وهو أمر
نخبره في آلاف الأشياء (Pensées, 477). بالنسبة لباسكال:
"القلب هو الذي يشعر بالله لا العقل. وهذا هو الإيمان: الله
حساس أكثر نحو القلب، لا نحو العقل" (Pensées, 481).
ولكي يوضح بشكل أفضل "براهين القلب"، يتساءل باسكال بنوع من
سخرية: "ألعلك تبدأ بمحبة ذاتك انطلاقًا من عقلك؟" (المرجع
نفسه، 447).
من خلال هذا التمييز بين قدرات العقل وقدرات القلب، يحاول
باسكال أن يتخطى سبلاً مقطوعة أدخل فيها ديكارت الفلسفة
والفكر: مذهب العقلية، مذهب النفعية، والفلسفة المنفصلة.
ويحاول في الوقت عينه أن يقدم هيكلية أنتروبولوجيا متكاملة
(راجع M. Leclerc, La destinée humaine. Pour un discernement
philosophique, Namur 1993).
بحسب باسكال لا يمكن فصل التفكير عن الخبرة الحياتية، فالمعرفة
العقلية الحقة هي ربط وثيق بين العيش والتفكير، بين العقل
والقلب، بين شعور القلب وإدراك العقل؛ وفي هذا الإطار، يقدم
باسكال تمييزًا هامًا آخر: بين "روح الإبداع" (esprit de
finesse) و "روح الرياضيات" (esprit de géométrie). فروح
الإبداع هو روح جمالي حساس لا يستعرض الوقائع انطلاقًا من
نفعيتها، بل يقف أمامها بموقف مجانية يسمح لها بأن تكون وبأن
تزهر. نجد في هذا الإطار خبرة الحب، خبرة الإيمان، خبرة
الصداقة، خبرة الذوق الجمالي والفني. إنها خبرة الإيمان الذي
يصفه اللاهوتي الكندي برنارد لونرغان بـ "المعرفة التي تولد من
الحب الديني". فبراهين القلب هي "تجاوب قصدي مع القيم"، وهي
مرحلة من مراحل الاعتراف بالقيم التي تذهب أبعد من العقل
النفعي والمخبري. العقل يستطيع فقط أن يتعرف على القيم، وحده
القلب يتوصل إلى الاعتراف بها، بما في ذلك "قيمة" الآخر
المتسامي، والدخول في إطار العشق الإلهي الذي هو إطار معرفة
يتوصل إليه المرء من خلال تمييز القيم في الحب.
هذا ويدرك باسكال أيضًا أن معرفة الله، إضافة إلى كونها خبرة
حب هي أيضًا هبة مجانية من الله. وحده الله يسمح للإنسان أن
يتعرف عليه. ولذا يعتبر باسكال أن الإنسان يبدأ بالتفتيش عن
الله فقد عندما يكون الله قد وجده (إذا جاز التعبير!). يقول
باسكال على لسان المسيح: "ما كنتَ لتبحث عني لو لم أكن قد
وجدتُك". وفي مكان آخر: "الإيمان هو هبة من الله. لا تظنوا
أننا نقول بأن الإيمان هو هبة التفكير!" (480 Pensées, ).
الشعور
هذا ويتحدث باسكال أيضًا عن "الشعور"، ويصرح بأن "كل تفكيرنا
يصل إلى غايته عندما نفسح المجال للشعور" (Pensées, 474). من
الأهمية بمكان هنا أن نفهم ما يعنيه باسكال بكلمة شعور، مخافة
أن نسيء فهم فلسفته وفكره إذا ما خلطنا بين "الشعور" والأحاسيس
العابرة والمتقلبة.
الشعور بالنسبة له هو واقع حدسي، مباشر، وليس واقعًا إنعكاسيًا.
الشعور ليس الحس، بل هو نقطة انطلاق لما يمكننا أن نسميه أيضًا
أسس العلوم الحسابية. فالإنسان يدرك من خلال شعوره مباشرة ودون
تفكير تحليلي أو انعكاسي مبادئ الرياضيات، ولا يحتاج لبراهين
أخرى إضافية. مبادئ الرياضيات تحمل براهينها بحد ذاتها ولا
يمكن إدراكها بطريقة تحليلية ثانوية. لا يمكننا أن نحلل 1 + 1
= 2. بل متى ما أدرك العقل هذا الأمر، لا يستطيع إلا أن يقر به.
والأمر كذلك بالنسبة لمجموع زوايا المثلث المساوي 180 درجة.
متى ما أدرك العقل ذلك، لا يستطيع أن يتوصل إلى براهين أخرى...
ويتابع باسكال التفكير: "للقلب أحكامه، تمامًا كما أن للعقل
أحكامه؛ وهذا الأخير يعمل انطلاقًا من مبادئ وبراهين" (Pensées,
72). أما الشعور فهو يدرك الكلية، الغشطالط الذي تحدثنا عنه في
مقالة سابقة. العقل لا يستطيع أن يستوعب في مفهوم واحد مكنونات
وإدراكات الشعور، أما هذا الأخير فهو يستطيع أن يدرك الوقائع
بنظرة شاملة (voir d’une vue) (راجع: Pensées, 23).
الشعور هو الحدس الكلي، هو ما يسميه لونرغان (insight)، الذي
يسمح للمرء أن يصل إلى الوقائع بشكل فوري، بديهي، علمًا بأن
كلية الوقائع هي دائمًا أكثر من مجموع الوقائع المفردة!
هذا ويجب أن نقرّ بأن الإدراك الشعوري، وأن براهين القلب تتأثر
بالواقع الثقافي والحضاري الذي يعيش فيه الإنسان، الأمر الذي
يضطرنا إلى الحديث عن "المخيلة الشخصية" (المختلفة عن الخيال)،
وعن الاستعدادات السابقة، عن الفسحات الداكنة في القلب البشري
حيث تتم الخيارات، وحيث يكون الإنسان إما منفتحًا وإما
منغلقًا. وفي هذا المجال، يشكل فكر جون هنري نيومان دليلًا
أكيدًا.
|